دعـاء
إن أسفار الصحراء توهي العمالقة الآمنين . فكيف بركب مهدر الدم مستباح الحق ؟ .
ما يحس هذه المتاعب إلا من صلي نارها ، لقد برزنا لوهج الظهيرة يوماً فكادت الأشعة البيضاء المنعكسة على الرمال تخطف أبصارنا ، فعدنا مغمضين نستبقي من عيوننا ما خفنا ضياعه .
وعندما تصبح وتمسي وسط وهاد ونجاد لا تنتهي حتى تبدأ ، تخال العالم كله مهامه مغبرة الأرجاء داكنة الأرض والسماء .
وجرت عادة المسافرين أن يأووا في القيلولة إلى أي ظل في بطاح ينتعل كل شيء فيها ظله ، حتى إذا جنحت الشمس للمغيب تحركت المطايا اللاغبة تغالب الجفاف والكرى .
وللعرب طاقة على احتمال هذا الشظف من قلة الزاد والري .
وقد مر بك أن الرسول ـ وهو طفل ـ قطع هذه الطريق ، ذهب مع أمه لزيارة قبر أبيه ثم عاد وحده .
وإنه الآن ليقطعها وقد بلغ الثالثة والخمسين ، لا لزيارة أبويه اللذين ماتا بالمدينة ، بل لرعاية رسالته التي تشبثت بأرض يثرب جذورها ، بعد ما تبرمت مكة بها وبصاحبها وبمن حوله ...
إنه أرسخ أهل الأرض يقيناً بأن الله ناصره ومظهر دينه ، بيد أنه أسيف للفظاظة التي قوبل بها ، وللجحود الذي لاحقه من بدء رسالته حتى اضطره إلى الهجرة على هذا النحو العنيف ، ها هو ذا يخرج من مكة وقد أعلن سادتها عن الجوائز المغرية لمن يغتاله ...
روى أبو نعيم أن رسول الله لما خرج من مكة مهاجراً إلى الله قال :
(( الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئاً . اللهم أعني على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام . اللهم اصحبني في سفري ، واخلفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ، ولك فذللني ، وعلى صالح خلقي فقومني ، وإليك ربِّ فحببني ، وإلى الناس فلا تكلني . رب المستضعفين وأنت ربي . أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض ، وكشفت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين أن تحل علي غضبك ، وتنزل بي سخطك . وأعوذ بك من زوال نعمتك ، وفجأة نقمتك ، وتحول عافيتك ، وجميع سخطك . لك العتبى عندي خير ما استطعت . ولا حول ولا قوة إلا بك )) .
***
ومما يلفت النظر أن إنطلاق الرسول من مكة شاع في جنوب الصحراء، وكأن أسلاك البرق طيرته إلى أقصى البقاع . فعلم به البدو والحضر على طول الطريق حتى يثرب ، بل إن المحال التي عرج بها وصل نبؤها إلى أهل مكة بعد أن انصرف عنها .
الوصول إلى المدينة
وكذلك ترامت أخبار المهاجر العظيم وصاحبه إلى المدينة ، فكان أهلها يخرجون كل صباح يمدون أبصاره إلى الأفق البعيد ، ويتشوفون إلى مقدمه بلهفة . فإذا اشتد عليهم الحر عادوا إلى بيوتهم يتواعدون الغد ، وملء جوانحهم الترقب ، والقلق ، والرجاء .
وفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول لثلاث عشرة سنة من البعثة برز الأنصار على عادتهم منذ سمعوا بمخرج الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم ، ووقفوا بظاهر المدينة ينتظرون طلعته ويودون رؤيته . فلما حميت الظهيرة وكادوا ييأسون من مجيئه وينقلبون إلى بيوتهم ، صعد رجل من اليهود على أطم من آطامهم لبعض شأنه فرأى الرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه يتقاذفهم السراب ، وتدنو بهم الرواحل رويداً رويداً إلى المدينة إلى وطن الإسلام الجديد ، فصرخ اليهودي بأعلى صوته : يا بني قيلة ، هذا صاحبكم قد جاء ، هذا جدكم الذي تنتظرون فأسرع الأنصار إلى السلاح يستقبلون به رسولهم ، وسمع التكبير يرج أنحاء المدينة ، ولبست ((يثرب)) حلة العيد ومباهجه .
قال البراء : أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله مصعب بن عمير ، وابن ام مكتوم . فجعلا يقرئان الناس القرآن ، ثم جاء عمار ، وبلال ، وسعد ، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكباً . ثم جاء رسول الله فلما رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به، حتى رأيت النساء والصبيان و الإماء يقولون : هذا رسول الله قد جاء .
يا عجباً لنقائض الحياة واختلاف الناس ! إن الذي شهرت مكة سلاحها لتقتله ، ولم ترجع عنه إلا مقهورة ، استقبلته المدينة وهي جذلانة طروب ، وتنافس رجالها يعرضون عليه المنعة والعدة والعدد ...
ومن الطريف أن كثيراً من أهل المدينة لم يكن رأى رسول الله ، فلما قدم الركب لم يعرفوه من أبي بكر لأول وهلة ، حتى إن العوائق كن يتراءينه فوق البيوت يقلن : أيهم هو ؟
ونزل النبي في بني عمرو بن عوف ، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة أسس خلالها مسجد قباء . وهو أول مسجد أسس في الإسلام . وفيه نزل قوله تعالى : (( لمسجد أسس على التقوى من أوَّل يومٍ أحقّ أن تقوم فيه . فيه رجال يحبونَ أن يتطهروا )) .
استقرار المدينة
رجل العقيدة يسير طوعاً لها ، ويجد طمأنينته حيث تقر عقيدته وتلقى الرحب والسعة .
والناس ينشدون سعادتهم فيما تعلقت به هممهم وجاشت به أمانيهم ، وهم ينظرون إلى الدنيا وحظوظهم منها على ضوء ما رسب في نفوسهم من عواطف وأفكار ..
فطالب الزعامة يرضى أو ينقم ، وينشط أو يكسل بمقدار قربه أو بعده من أمله الحبيب .
أنظر المتنبي كم مدح وهجا ؟ وكيف انتقل من الشام إلى مصر ، ومن مصر إلى غيرها ، وانظر إلى ذكره أحاديث الناس عنه وعن بغيته .
يقولون لي : ما أنت في كل بلدة وما تبتغي ؟ ما أبتغي جلّ أن يُسمى
والذي جل أن يسمى صرح به في مكان آخر ، فطلب أن تناط به ضيعة أو ولاية !! أي بعض ما وضعته الحظوظ في أيدي الملوك والملاك ، وإنه ليتعجل هذا الأمل من كافور فيقول :
أبا المسـك في الكأس فضل أنا له ؟ فإني أغني منذ حين وتشرب !
والمتنبي في نظري أهل ـ بكفايته ـ للمناصب الرفيعة . ولكن التطلع إلى الدنيا بهذا النزق والإلحاح ، محكوم بالمشيئة التي ذكرتها الآية الكريمة :
(( من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ... )) .
ومن الناس من يتعش الجمال ويجري وراء النساء ويجد في المتعة بهن نهمته التي يسكن بعدها ويستكين ويقول :
لا أرى الدنيا على نور الضحى
|
| بل أرى الدنيا على نور العيون
|
ومنهم من يبحث عن المال ويقضي سحابة نهاره وشطر ليله يتتبع الأرقام في دفاتره ، يحصي ما وقع في يده ويتربص بما لم يقع ، وربما ذهل عن طعامه ولباسه في غريزة الاقتناء التي سدّت عليه المنافذ .
***
إلى جانب هذه الأصناف تجد فريقاً آخر من البشر لا يطيق الكف عن إسداء الجميل ، وبذل النصيحة ، ورعاية الصالح العام ، وإفناء ذاته في سبيل الفضائل التي ملكت لبه وعمرت قلبه ...
إنه يبيت مسهداً لو فرط في واجب ... راحته الكبرى في نشدان الكمال وسعادته القصوى يوم يدرك منه سهماً
وأصحاب الرسالات رهناء ما تحملوا من امانات ضخمة ، فمغانمهم ومغارمهم وحلهم وترحالهم وصداقتهم وخصومتهم ترجع كلها إلى المعاني التي ارتبطوا بها وحيوا لأجلها ...
وصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله ضرب من نفسه المثل الفذ للمكافحين ، فمنذ أخذ على عاتقه تمزيق الأسداف التي ألقت على العالم ليلاً كثيفاً من الشرك والخرافة ، لم يفلح أحد في ثنيه عن عزمه أو تعويق مسيره أو ترضيته برغبة أو ردعه برهبة ، وفنيت أمام عينيه فوارق الزمان والمكان ، فالغريب عنه إذا عرف الحق قريب ، ووطنه إذا تنكر للهدى فهو منه بريء ، والمؤمنون به آخر الدهر هم إخوانه وإن لم يشاهدوه .
ولقد عاش في مكة ثلاثة وخمسين عاماً حتى ألفها وألفته ، لكنه اليوم يخرج منها إلى وطن جديد يرى فيه امتداد قلبه وثمار غرسه .
والرجال الذين تنبع سعادتهم من قلوبهم ويرتبطون أمام ضمائرهم بمبادئهم لا يكرمون بيئة بعينها إلا أن تكون صدى لما يرون .
فلا غرو إذا دخل محمد المدينة دخول الوامق المعتز .. واستبشر بما آتاه الله فيها من فتح ، وتوسم من وراء هذه الهجرة بشائر الخير والنصر .
ثوى في قريش بضع عشرة حجة ويعرض في أهل المواسم نفسه فلما أتانا واستقرت به النوى وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم بذلناله الأموال من جل مالنا نعادي الذي عادى من الناس كلهم ونعلم أن الله لا رب غيره
|
| يذكر لو يلقى حبيباً مواتياً فلم ير من يؤوي ولم ير واعياً وأصبح مسروراً بطيبة راضياً بعيد ولا يخشى من الناس باغياً وأنفسنا عند الوغى والتآسيا جميعاً وإن كان الحبيب المصافيا وأن كتاب الله أصبح هادياً
|
***
إن تنظيم الهجرة واستقبال اللاجئين الفارين بدينهم من شتى البقاع ليس بالعمل المهين ، وفي عصرنا الحاضر تعتبر هذه الحال مشكلة تحتاج إلى الحل السريع ؟
ومتى خلت حياة الرجل العظيم من المشكلات ؟
وصادف إبان الهجرة أن كانت المدينة موبؤة ( بحمّى ) الملاريا ، فلم تمض أيام حتى مرض بها أبو بكر ، وبلال.
واستوخم الصحابة جو المهجر الذي آواهم ، ثم أخذت تستيقظ غرائز الحنين إلى الوطن المفقود .
وكان النبي يصبِّر الصحابة على احتمال الشدائد ، ويطالبهم بالمزيد من الجهد والتضحية لنصرة الإسلام ، وقال : (( لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة ، ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه )) .
وهذا ضرب من جميع القلوب على المهجر الجديد حتى تطيب به وتنفر من مغادرته .
وعن عائشة قالت : لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وعك أبو بكر وبلال ، فدخلت عليهما فقلت : يا أبت كيف تجدك ؟ ويا بلال كيف تجدك ؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول :
كل أمرئ مصبّح في أهله
|
| والموت أدنى من شراك نعله
|
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول :
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة وهل أرِدَنْ يوماً مياه مجنّة
|
| بوادٍ ، وحولي إذخر وجليل وهل يبدون لي شامة وطفيل؟
|
قالت : فأخبرت رسول الله بذلك فقال : اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة ، أو أشد ، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها ، وانقل حمّاها واجعلها بالجحفة )) .
وعن أنس قال رسول الله : (( اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلت بمكة من البركة )) .
وعن أبي هريرة قال : (( كان رسول الله إذا أتي بأول الثمر قال : اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدنا وفي صاعنا ، بركة مع بركة ، اللهم إن إبراهيم عبدك ونبيك وخليلك ، وإني عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة ، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه )) ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان ...
بهذا التشويق والإقبال ارتفع الروح المعنوي بين المسلمين ، واتجهت القوى الفتية إلى البناء ، متناسية الماضي وما يضم من ذكريات . إن الهجرة الخالصة لا تعود في هبة ولا ترجع عن تضحية ، ولا تبكي على فائت ، بل هي كما قال الشاعر :
إذا انصرفـت نفسـي عن الشيء لم تكد
|
| إليـه بـوجـه آخـر الدهر تقبل ...!!!
|