البوابة­الصفحة الرئيسية­التسجيل­دخول
شاطر | 
 

 هجرة الرسول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
aaaaaa
وسام التميز
وسام التميز


انثى عدد الرسائل: 1038
العمر: 18
العمل/الترفيه: طالبة جامعية
المزاج: اخر روقان
الدولة: علم مصر
مزاجى: رايقه
توقعيك فى المنتدى:
نقاط: 726
السٌّمعَة: 3
تاريخ التسجيل: 23/07/2008

مُساهمةموضوع: هجرة الرسول   2009-07-02, 3:13 am

هجرة الرسول

حين عزم رسول الله على ترك مكة إلى المدينة ، ألقى الوحي الكريم في قلبه وعلى لسانه هذا الدعاء الجميل
(( وقل : ربِّ أدخلني مُدخلَ صدقٍ وأخرجني مخرج صدق. واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً )) .

ولا نعرف بشراً أحق بنصر الله وأجدر بتأييده مثل هذا الرسول الذي لاقى في جنب الله ما لاقى . ومع ذلك فإن استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه وتوفير وسائله .

ومن ثم فإن رسول الله أحكم خطة هجرته ، وأعدَّ لكل فرض عدته ، ولم يدع في حسبانه مكاناً للحظوظ العمياء .

وشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة ، أن يقوم بها كأنها كل شيء في النجاح ، ثم يتوكل بعد ذلك على الله ، لأن كل شيء لا قيام له إلا بالله .

فإذا استفرغ المرء جهوده في أداء واجبه فأخفق بعد ذلك ، فإن الله لا يلومه على هزيمة بلي بها ، وقلما يحدث ذلك إلا قدر قاهر يعذر المرء فيه !!

وكثيراً ما يرتب الإنسان مقدمات النصر ترتيباً حسناً ، ثم يجيء عون أعلى يجعل هذا النصر مضاعف الثمار.

كالسفينة الذي يشق عباب الماء بها ربان ماهر ، فإذا التيار يساعدها والريح تهب إلى وجهتها، فلا تمكث غير بعيد حتى تنتهي إلى غايتها في أقصر من وقتها المقرر.

وهجرة رسول الله من مكة إلى المدينة جرت على هذا الغرار ، فقد استبقى رسول الله معه علياً وأبا بكر ، وأذن لسائر المؤمنين بتقدمه إلى المدينة .

فأما أبو بكر فإن الرسول قال له حين استأذنه ليهاجر : لا تعجل ، لعل الله أن يجعل لك صاحباً . وأحس أبو بكر كأن الرسول يعني نفسه بهذا الرد !.

فابتاع راحلتين فحبسهما في داره ، يعلفهما إعداداً لذلك.

وأما علي فإن الرسول هيأه لدور خاص ، يؤديه في هذه المغامرة المحفوفة بالأخطار !.

قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، أنها قالت : كان لا يخطئ رسول الله أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار : إما بكرة ، وإما عشياً ، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه ، أتانا رسول الله بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها . قالت : فلما رآه أبو بكر قال : ما جاء رسول الله في هذه الساعة إلا لأمر حدث . فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول الله وليس عند رسول الله أحد إلا أنا وأختي أسماء ، فقال رسول الله : أخرج عني من عندك ، قال : يا رسول الله ، إنما هما ابنتاي .

وما ذاك ـ فداك أبي وأمي ـ ؟ .

قال : إن الله أذن لي بالخروج والهجرة . فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ؟ قال : الصحبة.

قالت عائشة : فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي !! .

ثم قال : يا نبي الله إن هاتين الراحلتين كنت أعددتهما لهذا ، فاستأجرا عبد الله ابن أريقط ـ وهو مشرك ـ (!) يدلهما على الطريق . ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.

قال ابن اسحاق : ولم يعلم ـ فيما بلغني ـ بخروج رسول الله أحد حين خرج ـ يقصد نوى الخروج ـ إلا علي وأبو بكر وآله . أما علي فإن رسول الله أمره أن يتخف حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس وكان رسول الله ، ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده ، لما يعلم من صدقه وأمانته ..

درس في سياسة الأمور

ويلاحظ أن النبي عليه الصلاة السلام كتم أسرار مسيره ، فلم يطلع عليه إلا من لهم صلة ماسة ، ولم يتوسع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم .

وقد استأجر دليلاً خبيراً بطريق الصحراء ليستعين بخبرته على مغالبة المطاردين ونظر في هذا الاختيار إلى الكفاية وحدها . فإذا اكتملت في أحد ـ ولو مشركاً ـ استخدمه وانتفع بموهبته .

ومع هذه المرونة في وضع الخطة فإن النبي عليه الصلاة والسلام أصر أن يدفع ثمن راحلته، وأبى أن يتطوع أبو بكر به ، لأن البذل في هذه الهجرة ضرب من العبادة ينبغي الحرص عليه وتستبعد النيابة فيه .

واتفق الرسول عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر على تفاصيل الخروج ، وتخيروا الغار الذي يأوون إليه ، تخيروه جنوباً في اتجاه اليمن لتضليل المطاردين ، وحددوا الأشخاص الذين يتصلون بهم في أثناء اللجوء إليه ، ومهمة كل شخص .

ثم عاد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيته ، فوجد قريشاً بدأت تضرب الحصار حوله ، وبعثت بالفتيان الذين وكل إليهم اغتيال محمد عليه الصلاة والسلام وتفريق دمه بين القبائل !!

وأوعز الرسول عليه الصلاة والسلام إلى علي بن أبي طالب في هذه الليلة الرهيبة أن يرتدي برده الذي ينام فيه ، وأن يتسجى به على سريره. وفي هجعة من الليل وغفلة من الحرس ، نَسَلَ الرسول عليه الصلاة والسلام من بيته إلى دار أبي بكر ، ثم خرج الرجلان من خوخة في ظهرها إلى غار ثور .. إلى الغار الذي استودعته العناية مصير الرسالة الخاتمة ، ومستقبل حضارة كاملة ، وتركته في حراسة الصمت والوحشة والإنقطاع ..

في الغار

وسارت الأمور على ما قدّرا ، وكان أبو بكر قد أمر ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك من أخبار . وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار. فكان عبد الله بن أبي بكر في قريش ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله وأبي بكر ، ثم يأتيهما إذا أمسى فيقص عليهما ما علم ، وكان عامر في رعيان أهل مكة ، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا ، فإذا غدا عبد الله من عندهما إلى مكة ، ابتع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفي عليه . وتلك هي الحيطة البالغة كما تفرضها الضرورات المعتادة على أي إنسان ..

وانطلق مشركو مكة في آثار المهاجرين يرصدون الطرق ويفتشون كل مهرب ، وراحوا ينقبون في جبال مكة ، وكهوفها ، حتى وصلوا ـ في دأبهم ـ قريباً من غار ثور ، وأنصت الرسول وصاحبه إلى أقدام المطاردين تخفق إلى جوارهم ، فأخذ الروع أبا بكر ، وهمس يحدث رسول الله : (( لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا )) فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : (( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما )) .

ويظهر أن المطاردين داخلهم القنوط من العثور عليهما في هذا الفج ، فتراكضوا عائدين
وروى أحمد : (( أن المشركين اقتفوا الأثر حتى إذا بلغوا الجبل ـ جبل ثور ـ اختلط عليهم ، فصعدوا الجبل فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت . فقالوا : لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه . فمكث فيه ثلاث ليال)).

ورواية أحمد حسنة ، وإن لم ترد بها السنن الصحاح ، ولم يرد كذلك ذكر لحمائم باضت على فم الغار أو غير ذلك .

قال تعالى في ذكر الهجرة : (( إلا تنصروه فقد نصرهُ الله * إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغارِ إذْ يقول لصاحبه : لا تحزن إن الله معنا * فأنزل الله سكينتهُ عليه ، وأيَّده بجنودٍ لم تروها * وجعلَ كلمةَ الذين كفروا السفلى * وكلمةَ الله هي العليا * والله عزيزٌ حكيم )).

والجنود التي يخذل بها الباطل وينصر بها الحق ليست مقصورة على نوع معين من السلاح ولا صورة خاصة من الخوارق ، إنها أعم من أن تكون مادية أو معنوية ، وإذا كانت مادية فإن خطرها لا يتمثل في ضخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب (( وما يعلم جنود ربك إلا هو )) .

ومن صنع الله لنبيه أن تعمى عنه عيون أعدائه وهو منهم على مد الطرف ، ولم يكن ذلك محاباة من القدر لقوم فرطوا في استكمال اسباب النجاة ، بل هو مكافأة من القدر لقوم لم يدعوا وسيلة من وسائل الحذر إلا اتخذوها ، وكم من خطة يضعها أصحابها فيبلغون بها نهاية الإتقان تمر بها فترات عصيبة لأمور فوق الإرادة أو وراء الحسبان ثم تستقر أخيراً وفق مقتضيات الحكمة العليا وفي حدود قوله تعالى :

(( واللهُ غالبٌ على أمرهِ ولكنَّ أكثرَ الناس لا يعلمونَ )) .

في الطريق إلى المدينة

مرت ثلاث ليال على مبيت الرسول عليه الصلاة والسلام في الغار ، وخمد حماس المشركين في الطلب ، وتأهب المهاجران لاستئناف رحلتهما الصعبة .

وجاء ( عبد الله بن أريقط ) في موعده ومعه رواحله قد أعلفها لاستقبال سفر بعيد ، وتزود الركب ثم سار على اسم الله .

غير أن قريشاً سائها أن تخفق في استرجاع محمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه ، فجعلت دية كل واحد منهما جائزة لمن يجيء بهما أحياء أو أمواتاً .

ومائتان أو مائة من الإبل في الصحراء ثروة تغري بركوب المخاطر وتحمل المشاق.

وقد قدّر رسول الله أن المشركين لن يألوا جهداً في الإساءة إليه ، فالتزم في سيره جانب المحاذرة ، وأعانتهم مهارة الدليل على سلوك دروب لم تعتدها القوافل ، ثم أطلق الزمان للرواحل فمضت تصل النهار بالليل.




رمى بصـدور العيـس منخرق الصَّبا

فلم يدر خلقٌ بعدها أين يمما ؟

فلما مروا بحي بني مدلج مصعدين ، بَصُر بهم رجل من الحي فقال : لقد رأيت آنفاً أسْوِدَة بالساحل، ما أظنها إلا محمداً وأصحابه ، ففظن إلى الأمر سراقة بن مالك ورغب أن تكون الجائزة له خاصة فقال : بل هم فلان وفلان قد خرجوا لحاجة لهم .

ومكث قليلاً ثم قام فدخل خباءه وقال لخادمه : أخرج بالفرس من وراء الخباء وموعدك خلف الأكمة .

قال سراقة : فأخذت رمحي وخرجت من ظهر البيت وأنا أخط بزجه الأرض، حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها ! فقمت ..

وامتطى سراقة فرسه مرة أخرى وزجرها فانطلقت حتى قرب من الرسول عليه الصلاة والسلام وصاحبه ، وكان أبو بكر يكثر الالتفات يتبين هذا العدو الجسور ؟

فلما دنا عرفه فقال لرسول الله ـ وكان ماضياً إلى غايته ـ : هذا سراقة بن مالك قد رهقنا وما أتم كلامه حتى هوت الفرس مرة أخرى ملقية سراقة من على ظهرها ، فقام معفراً ينادي بالأمان !!.

وقع في نفس سراقة أن الرسول عليه الصلاة والسلام حق فاعتذز إليه وسأله أن يدعو الله له وعرض عليهما الزاد والمتاع ، فقالا : لا حاجة لنا ، ولكن عم عنا الطلب ، فقال : قد كفيتم ، ثم رجع فوجد الناس جادين في البحث عن محمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه ، فجعل لا يلقى أحداً من الطلب إلا رده وهو يقول : كفيتم هذا الوجه! .

أصبح أول النهار جاهداً عليهما ، وأمسى آخره حارساً لهما ... !!

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmarah18.habibomri.com
aaaaaa
وسام التميز
وسام التميز


انثى عدد الرسائل: 1038
العمر: 18
العمل/الترفيه: طالبة جامعية
المزاج: اخر روقان
الدولة: علم مصر
مزاجى: رايقه
توقعيك فى المنتدى:
نقاط: 726
السٌّمعَة: 3
تاريخ التسجيل: 23/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول   2009-07-02, 3:14 am

دعـاء

إن أسفار الصحراء توهي العمالقة الآمنين . فكيف بركب مهدر الدم مستباح الحق ؟ .

ما يحس هذه المتاعب إلا من صلي نارها ، لقد برزنا لوهج الظهيرة يوماً فكادت الأشعة البيضاء المنعكسة على الرمال تخطف أبصارنا ، فعدنا مغمضين نستبقي من عيوننا ما خفنا ضياعه .

وعندما تصبح وتمسي وسط وهاد ونجاد لا تنتهي حتى تبدأ ، تخال العالم كله مهامه مغبرة الأرجاء داكنة الأرض والسماء .

وجرت عادة المسافرين أن يأووا في القيلولة إلى أي ظل في بطاح ينتعل كل شيء فيها ظله ، حتى إذا جنحت الشمس للمغيب تحركت المطايا اللاغبة تغالب الجفاف والكرى .

وللعرب طاقة على احتمال هذا الشظف من قلة الزاد والري .

وقد مر بك أن الرسول ـ وهو طفل ـ قطع هذه الطريق ، ذهب مع أمه لزيارة قبر أبيه ثم عاد وحده .

وإنه الآن ليقطعها وقد بلغ الثالثة والخمسين ، لا لزيارة أبويه اللذين ماتا بالمدينة ، بل لرعاية رسالته التي تشبثت بأرض يثرب جذورها ، بعد ما تبرمت مكة بها وبصاحبها وبمن حوله ...

إنه أرسخ أهل الأرض يقيناً بأن الله ناصره ومظهر دينه ، بيد أنه أسيف للفظاظة التي قوبل بها ، وللجحود الذي لاحقه من بدء رسالته حتى اضطره إلى الهجرة على هذا النحو العنيف ، ها هو ذا يخرج من مكة وقد أعلن سادتها عن الجوائز المغرية لمن يغتاله ...

روى أبو نعيم أن رسول الله لما خرج من مكة مهاجراً إلى الله قال :

(( الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئاً . اللهم أعني على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام . اللهم اصحبني في سفري ، واخلفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ، ولك فذللني ، وعلى صالح خلقي فقومني ، وإليك ربِّ فحببني ، وإلى الناس فلا تكلني . رب المستضعفين وأنت ربي . أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض ، وكشفت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين أن تحل علي غضبك ، وتنزل بي سخطك . وأعوذ بك من زوال نعمتك ، وفجأة نقمتك ، وتحول عافيتك ، وجميع سخطك . لك العتبى عندي خير ما استطعت . ولا حول ولا قوة إلا بك )) .

***

ومما يلفت النظر أن إنطلاق الرسول من مكة شاع في جنوب الصحراء، وكأن أسلاك البرق طيرته إلى أقصى البقاع . فعلم به البدو والحضر على طول الطريق حتى يثرب ، بل إن المحال التي عرج بها وصل نبؤها إلى أهل مكة بعد أن انصرف عنها .

الوصول إلى المدينة

وكذلك ترامت أخبار المهاجر العظيم وصاحبه إلى المدينة ، فكان أهلها يخرجون كل صباح يمدون أبصاره إلى الأفق البعيد ، ويتشوفون إلى مقدمه بلهفة . فإذا اشتد عليهم الحر عادوا إلى بيوتهم يتواعدون الغد ، وملء جوانحهم الترقب ، والقلق ، والرجاء .

وفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول لثلاث عشرة سنة من البعثة برز الأنصار على عادتهم منذ سمعوا بمخرج الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم ، ووقفوا بظاهر المدينة ينتظرون طلعته ويودون رؤيته . فلما حميت الظهيرة وكادوا ييأسون من مجيئه وينقلبون إلى بيوتهم ، صعد رجل من اليهود على أطم من آطامهم لبعض شأنه فرأى الرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه يتقاذفهم السراب ، وتدنو بهم الرواحل رويداً رويداً إلى المدينة إلى وطن الإسلام الجديد ، فصرخ اليهودي بأعلى صوته : يا بني قيلة ، هذا صاحبكم قد جاء ، هذا جدكم الذي تنتظرون فأسرع الأنصار إلى السلاح يستقبلون به رسولهم ، وسمع التكبير يرج أنحاء المدينة ، ولبست ((يثرب)) حلة العيد ومباهجه .

قال البراء : أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله مصعب بن عمير ، وابن ام مكتوم . فجعلا يقرئان الناس القرآن ، ثم جاء عمار ، وبلال ، وسعد ، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكباً . ثم جاء رسول الله فلما رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به، حتى رأيت النساء والصبيان و الإماء يقولون : هذا رسول الله قد جاء .

يا عجباً لنقائض الحياة واختلاف الناس ! إن الذي شهرت مكة سلاحها لتقتله ، ولم ترجع عنه إلا مقهورة ، استقبلته المدينة وهي جذلانة طروب ، وتنافس رجالها يعرضون عليه المنعة والعدة والعدد ...

ومن الطريف أن كثيراً من أهل المدينة لم يكن رأى رسول الله ، فلما قدم الركب لم يعرفوه من أبي بكر لأول وهلة ، حتى إن العوائق كن يتراءينه فوق البيوت يقلن : أيهم هو ؟

ونزل النبي في بني عمرو بن عوف ، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة أسس خلالها مسجد قباء . وهو أول مسجد أسس في الإسلام . وفيه نزل قوله تعالى : (( لمسجد أسس على التقوى من أوَّل يومٍ أحقّ أن تقوم فيه . فيه رجال يحبونَ أن يتطهروا )) .



استقرار المدينة

رجل العقيدة يسير طوعاً لها ، ويجد طمأنينته حيث تقر عقيدته وتلقى الرحب والسعة .

والناس ينشدون سعادتهم فيما تعلقت به هممهم وجاشت به أمانيهم ، وهم ينظرون إلى الدنيا وحظوظهم منها على ضوء ما رسب في نفوسهم من عواطف وأفكار ..

فطالب الزعامة يرضى أو ينقم ، وينشط أو يكسل بمقدار قربه أو بعده من أمله الحبيب .

أنظر المتنبي كم مدح وهجا ؟ وكيف انتقل من الشام إلى مصر ، ومن مصر إلى غيرها ، وانظر إلى ذكره أحاديث الناس عنه وعن بغيته .

يقولون لي : ما أنت في كل بلدة وما تبتغي ؟ ما أبتغي جلّ أن يُسمى

والذي جل أن يسمى صرح به في مكان آخر ، فطلب أن تناط به ضيعة أو ولاية !! أي بعض ما وضعته الحظوظ في أيدي الملوك والملاك ، وإنه ليتعجل هذا الأمل من كافور فيقول :

أبا المسـك في الكأس فضل أنا له ؟ فإني أغني منذ حين وتشرب !

والمتنبي في نظري أهل ـ بكفايته ـ للمناصب الرفيعة . ولكن التطلع إلى الدنيا بهذا النزق والإلحاح ، محكوم بالمشيئة التي ذكرتها الآية الكريمة :

(( من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ... )) .

ومن الناس من يتعش الجمال ويجري وراء النساء ويجد في المتعة بهن نهمته التي يسكن بعدها ويستكين ويقول :




لا أرى الدنيا على نور الضحى


بل أرى الدنيا على نور العيون

ومنهم من يبحث عن المال ويقضي سحابة نهاره وشطر ليله يتتبع الأرقام في دفاتره ، يحصي ما وقع في يده ويتربص بما لم يقع ، وربما ذهل عن طعامه ولباسه في غريزة الاقتناء التي سدّت عليه المنافذ .

***

إلى جانب هذه الأصناف تجد فريقاً آخر من البشر لا يطيق الكف عن إسداء الجميل ، وبذل النصيحة ، ورعاية الصالح العام ، وإفناء ذاته في سبيل الفضائل التي ملكت لبه وعمرت قلبه ...

إنه يبيت مسهداً لو فرط في واجب ... راحته الكبرى في نشدان الكمال وسعادته القصوى يوم يدرك منه سهماً

وأصحاب الرسالات رهناء ما تحملوا من امانات ضخمة ، فمغانمهم ومغارمهم وحلهم وترحالهم وصداقتهم وخصومتهم ترجع كلها إلى المعاني التي ارتبطوا بها وحيوا لأجلها ...

وصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله ضرب من نفسه المثل الفذ للمكافحين ، فمنذ أخذ على عاتقه تمزيق الأسداف التي ألقت على العالم ليلاً كثيفاً من الشرك والخرافة ، لم يفلح أحد في ثنيه عن عزمه أو تعويق مسيره أو ترضيته برغبة أو ردعه برهبة ، وفنيت أمام عينيه فوارق الزمان والمكان ، فالغريب عنه إذا عرف الحق قريب ، ووطنه إذا تنكر للهدى فهو منه بريء ، والمؤمنون به آخر الدهر هم إخوانه وإن لم يشاهدوه .

ولقد عاش في مكة ثلاثة وخمسين عاماً حتى ألفها وألفته ، لكنه اليوم يخرج منها إلى وطن جديد يرى فيه امتداد قلبه وثمار غرسه .

والرجال الذين تنبع سعادتهم من قلوبهم ويرتبطون أمام ضمائرهم بمبادئهم لا يكرمون بيئة بعينها إلا أن تكون صدى لما يرون .

فلا غرو إذا دخل محمد المدينة دخول الوامق المعتز .. واستبشر بما آتاه الله فيها من فتح ، وتوسم من وراء هذه الهجرة بشائر الخير والنصر .




ثوى في قريش بضع عشرة حجة
ويعرض في أهل المواسم نفسه
فلما أتانا واستقرت به النوى
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم
بذلناله الأموال من جل مالنا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم
ونعلم أن الله لا رب غيره


يذكر لو يلقى حبيباً مواتياً
فلم ير من يؤوي ولم ير واعياً
وأصبح مسروراً بطيبة راضياً
بعيد ولا يخشى من الناس باغياً
وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
جميعاً وإن كان الحبيب المصافيا
وأن كتاب الله أصبح هادياً

***

إن تنظيم الهجرة واستقبال اللاجئين الفارين بدينهم من شتى البقاع ليس بالعمل المهين ، وفي عصرنا الحاضر تعتبر هذه الحال مشكلة تحتاج إلى الحل السريع ؟

ومتى خلت حياة الرجل العظيم من المشكلات ؟

وصادف إبان الهجرة أن كانت المدينة موبؤة ( بحمّى ) الملاريا ، فلم تمض أيام حتى مرض بها أبو بكر ، وبلال.

واستوخم الصحابة جو المهجر الذي آواهم ، ثم أخذت تستيقظ غرائز الحنين إلى الوطن المفقود .

وكان النبي يصبِّر الصحابة على احتمال الشدائد ، ويطالبهم بالمزيد من الجهد والتضحية لنصرة الإسلام ، وقال : (( لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة ، ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه )) .

وهذا ضرب من جميع القلوب على المهجر الجديد حتى تطيب به وتنفر من مغادرته .

وعن عائشة قالت : لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وعك أبو بكر وبلال ، فدخلت عليهما فقلت : يا أبت كيف تجدك ؟ ويا بلال كيف تجدك ؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول :




كل أمرئ مصبّح في أهله


والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول :




ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة
وهل أرِدَنْ يوماً مياه مجنّة


بوادٍ ، وحولي إذخر وجليل
وهل يبدون لي شامة وطفيل؟

قالت : فأخبرت رسول الله بذلك فقال : اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة ، أو أشد ، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها ، وانقل حمّاها واجعلها بالجحفة )) .

وعن أنس قال رسول الله : (( اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلت بمكة من البركة )) .

وعن أبي هريرة قال : (( كان رسول الله إذا أتي بأول الثمر قال : اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدنا وفي صاعنا ، بركة مع بركة ، اللهم إن إبراهيم عبدك ونبيك وخليلك ، وإني عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة ، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه )) ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان ...

بهذا التشويق والإقبال ارتفع الروح المعنوي بين المسلمين ، واتجهت القوى الفتية إلى البناء ، متناسية الماضي وما يضم من ذكريات . إن الهجرة الخالصة لا تعود في هبة ولا ترجع عن تضحية ، ولا تبكي على فائت ، بل هي كما قال الشاعر :




إذا انصرفـت نفسـي عن الشيء لم تكد


إليـه بـوجـه آخـر الدهر تقبل ...!!!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmarah18.habibomri.com
رمزى
وسام التميز
وسام التميز


ذكر عدد الرسائل: 1579
العمر: 26
العمل/الترفيه: رياضى
المزاج: بسيط
الدولة: علم مصر
مزاجى: حبتين
توقعيك فى المنتدى:
المهنة:
نقاط: 3458
السٌّمعَة: 3
تاريخ التسجيل: 17/02/2009

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول   2009-07-02, 12:46 pm

جزاك الله خير

مششششكور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
دنيا
روح التعاون
روح التعاون


انثى عدد الرسائل: 3379
العمر: 22
الدولة: علم العراق
توقعيك فى المنتدى:
المهنة:
نقاط: 3334
السٌّمعَة: 3
تاريخ التسجيل: 21/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول   2009-07-02, 8:13 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مروة
روح التعاون
روح التعاون


انثى عدد الرسائل: 3809
العمر: 19
الموقع: سورية
العمل/الترفيه: طالبة
المزاج: اخر روقان
الدولة: علم سوريا
مزاجى: حالة حب
جنسيتك: البحرين
توقعيك فى المنتدى:
المهنة:
نقاط: 4084
السٌّمعَة: 15
تاريخ التسجيل: 21/11/2008

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول   2009-07-02, 8:17 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
aaaaaa
وسام التميز
وسام التميز


انثى عدد الرسائل: 1038
العمر: 18
العمل/الترفيه: طالبة جامعية
المزاج: اخر روقان
الدولة: علم مصر
مزاجى: رايقه
توقعيك فى المنتدى:
نقاط: 726
السٌّمعَة: 3
تاريخ التسجيل: 23/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول   2009-07-04, 8:15 am

جزاك الله كل خير على مرورك وردك اخى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmarah18.habibomri.com
aaaaaa
وسام التميز
وسام التميز


انثى عدد الرسائل: 1038
العمر: 18
العمل/الترفيه: طالبة جامعية
المزاج: اخر روقان
الدولة: علم مصر
مزاجى: رايقه
توقعيك فى المنتدى:
نقاط: 726
السٌّمعَة: 3
تاريخ التسجيل: 23/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول   2009-07-04, 8:16 am

مشكووووووووووووووووورة دنيا على مرورك وردك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmarah18.habibomri.com
aaaaaa
وسام التميز
وسام التميز


انثى عدد الرسائل: 1038
العمر: 18
العمل/الترفيه: طالبة جامعية
المزاج: اخر روقان
الدولة: علم مصر
مزاجى: رايقه
توقعيك فى المنتدى:
نقاط: 726
السٌّمعَة: 3
تاريخ التسجيل: 23/07/2008

مُساهمةموضوع: رد: هجرة الرسول   2009-07-04, 8:17 am

مشكوووووووووووووووووووورة اختى مروة وجزاكى الله كل خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://elmarah18.habibomri.com
 

هجرة الرسول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
هـمـس الـعـيـون :: الـــمــنــتــديــات الاســـلامــيــة :: المنتدى الإسلامي العام-